سعيد حوي

1730

الأساس في التفسير

يتصرف بين الناس على ضوء هذا القرآن ، وللكافر الغارق في الظلمات والجهالات والأهواء والضّلالات المتفرقة لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص ممّا هو فيه هل يستوي هذا مع هذا ؟ لا يستويان ، ومع ذلك فإن الكافر يستحسن ما هو عليه ، لأن اللّه زيّن له ما هو فيه قدرا من اللّه ، وحكمة بالغة منه لا إله إلا هو ولا شريك له ، ومن خلال العرض نعرف حكمة أخرى من حكم الإضلال : فقد بيّن اللّه - عزّ وجل - بعد أن ضرب المثل السابق للمهتدي والضال أنه كما جعل في مكة أكابر من المجرمين ، ودعاة إلى الكفر والصدّ عن سبيل اللّه ، وإلى مخالفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعداوته كذلك جعل في كل قرية أكابر مجرميها ليدعوا إلى الضلالة بزخرف من القول والفعل ، وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم ، وهم لا يشعرون بذلك ، وإذن فإجرامهم هو سبب ضلالهم ، هؤلاء المجرمون الكبار إذا جاءتهم آية وبرهان وحجّة قاطعة رفضوا الإيمان حتى تأتيهم الملائكة من اللّه بالرّسالة كما تأتي إلى الرسل ، وإذا فما أقسموا عليه في أول الفقرة من كونهم إذا جاءتهم آية يؤمنون بها محض كذب ؛ فإنّ الدوافع الأصلية لكفرهم هو حسدهم أن يبعث اللّه رسولا غيرهم ، وهنا يبيّن اللّه أنّه هو الأعلم حيث يضع رسالته ، ومن يصلح لها من خلقه ، ثمّ أوعد اللّه هؤلاء المجرمين بأنه ستصيبهم يوم القيامة ذلّة دائمة ، لقد استكبروا في الدنيا فأعقبهم ذلك ذلا يوم القيامة ، ومع الذلة عذاب أليم شديد بسبب مكرهم ، ولما كان المكر في الغالب إنما يكون خفيا : وهو التلطف في التّحيّل والخديعة قوبلوا بالعذاب الشديد من اللّه يوم القيامة ؛ جزاء وفاقا ، وبعد إذ تقرّر أنّ الهدى من اللّه ، والضلال من اللّه ، وأن الضلال له أسباب ، ذكر اللّه - عزّ وجل - علامة من يريد هدايته ، ومن يريد ضلاله ، فأما علامة من يريد هدايته فهو شرح صدره للإسلام بأن ييسّره للإسلام ، وينشّطه ويسهّله لذلك ، وأمّا علامة من يريد إضلاله فهو جعل صدره ضيقا بلا إله إلا اللّه حتى لا يستطيع أن تدخل قلبه ؛ حتى إنّه من شدة ضيقه بها ليصل إلى درجة الاختناق كشأن الذي يصعّد في السماء ، فإنه يضيق صدره لدرجة الاختناق ثم يختنق ، وكما جعل اللّه صدر من أراد إضلاله ضيّقا حرجا ، كذلك يسلط اللّه الشيطان عليه فيغويه ويصدّه عن سبيل اللّه ، ولما ذكر علامة من يريد إضلاله ، بيّن أنّ هذا القرآن وهذا الدّين هو صراط اللّه المستقيم ، وقد وضّح اللّه فيه الآيات وبيّنها وفسّرها لمن له فهم ووعي يعقل عن اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهؤلاء قد أعدّ اللّه لهم دار السلام وهي الجنة يوم القيامة ، وإنّما وصف اللّه الجنة هاهنا بدار السلام إشعارا بأن سلوكهم الصراط المستقيم حقق لهم السلامة ، فكما سلموا من آفات